يعقوب بن يوسف الكندي
164
رسائل الكندى الفلسفية
والمحدث لا يخلو أن يكون واحدا أو كثيرا ؛ فإن كان كثيرا فهم مركبون ، لأن لهم اشتراكا « 1 » في حال واحدة لجميعهم ، أي لأنهم أجمعين فاعلون ؛ والشئ الذي يعمه شئ واحد إنما يتكثر [ ب ] أن ينفصل بعضه من بعض بحال ما ؛ فإن كانوا كثيرا ، ففيهم فصول كثيرة ؛ فهم مركبون مما عمّهم ومن خواصهم ، [ لا ] أعنى بالكل واحدا « 2 » دون الآخر ؛ والمركبون لهم مركب ، لأن مركّبا ومركّبا من باب المضاف ؛ فيجب إذن أن يكون للفاعل فاعل ؛ فإن كان لواحد « 3 » فهو الفاعل الأول ؛ وان كان كثيرا ، وفاعل « 4 » الكثير كثير دائما ، وهذا يخرج بلا نهاية ؛ وقد اتضح بطلان ذلك ، فليس للفاعل فاعل ؛ فإذن ليس كثيرا ، بل واحد غير متكثر ، سبحانه وتعالى عن صفات الملحدين علوا كبيرا ، لا يشبه خلقه ؛ لأن الكثرة في كل الخلق موجودة ، وليست فيه بتة ، ولأنه مبدع وهم مبدعون ؛ ولأنه دائم وهم غير دائمين ، لأن ما تبدل تبدلت أحواله ، وما تبدل فهو غير « 5 » دائم . فلاحظ هذه المعاني ، أيها الأخ المحمود ! بعين عقلك ، واقثنها لحياة نفسك الزكية ، وصابر نفسك على اقتفاء آثارها الحقية ، تفض بك إلى سعة أوطان المعرفة ، ولين مرتفق الراحة ، وظل رحمة مبدع الرحمة ، وإياه أسأل أن ينير فهمك ، ويوسع علمك ، ويسعد بذلك عواقبك . تمت الرسالة ، والحمد للّه رب العالمين ، والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين .
--> ( 1 ) في الأصل : اشتراك ( 2 ) في الأصل : واحد . ( 3 ) لعله يقصد : العلة الأولى الواحدة ( 4 ) هكذا في الأصل - ولعلها ففاعل - ( 5 ) بين السطرين - في الأصل - فوفق كلمة : فهو غير ؛ كلمه : فغير -